• telegram-icon
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • email-square

Copyright © 2018  Labib Al-Nahhas

Tag Cloud / سحابة الوسوم
/ مقالات وتدوينات مختارة
Featured Posts & Articles

أوراق ثورية 1: الفصائل بين قيادة الثورة والتحول لأدوات وظيفية

 01 حزيران 2017

 

استهجن الكثيرون مقالة مجلة "الفورين بوليسي” بتاريخ 19 أيار لهذا العام 2017 بعنوان “سوريا عمليا اختفت من الوجود"، إلا أن عنوان المقالة ـ للأسف ـ هو توصيف دقيق  لواقع أليم نعيشه كسوريين عموماً وكثوار خصوصاً. لن يُقدم أي طرف على إعلان تفكك دولة سوريا كما نعرفها لأسباب سياسية وتبعات قانونية، ولكنَّ واقع الأمر يَحكي تحوّل بلدنا سوريا إلى مناطق نفوذ واضحة تتقاسمها أطراف إقليمية ودولية، وبقيت المنطقة الشرقية التي تحتلها “داعش” ساحة تنافس بين هذه الأطراف الدولية لتحقيق السيطرة على أكبر نسبة ممكنة من مساحة سوريا وثرواتها وأهم النقاط الاستراتيجية فيها، واستثمار ذلك لحماية مصالحها في المنطقة وترجمة هذه الهيمنة إلى مكتسبات سياسية طويلة الأمد. وفي هذا السباق المحموم على المنطقة الشرقية تتموضع الولايات المتحدة الأمركية في الصدارة، تتبعها روسيا وحلفاؤها الحاليين؛ إيران وفلول النظام، بينما تكاد تغيب الثورة وحلفاؤها بشكل شبه كلي عن هذه المعركة المصيرية لتقرير مستقبل سوريا.

 

لا شك أن الفصائل الثورية المسلحة ما زالت تعيش في حالة سبات عميق أو إنكار للواقع، أو ربما ما هو أسواء من ذلك؛ وهو انعدام فقه الواقع الذي نعيشه منذ فترة طويلة على الساحة السورية، لأنها لو أدركت حقيقة الواقع لغيرت من سياستها وسلوكها بشكل جذري وفوري.

آن الأوان لجميع الفصائل لا سيما الكبرى منها، أن تدرك أن استمرارها بوضعها الفصائلي المتناحر سينتهي بها إلى الفناء أو التحول -بعلم أو دون علم- إلى أدوات وظيفية بأيادٍ مختلفة، حليفة وعدوة.

لقد حققت الفصائل الكثير لهذه الثورة، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم التحدي وتفاوت موازين القوى، ولا يمكن إنكار تضحيات أبنائها الذين هم في نهاية الأمر أبناء سوريا، فتمكنت هذه الفصائل من إنهاء النظام فعلياً وخوض حرب استقلال وتحرير ضروس ضد احتلالين، ولكنها للأسف دخلت منذ أكثر من عام في حالة جمود وانفصام عن الواقع وعجز عن مجاراة الأحداث والتحولات الخطيرة التي تمر بها الساحة في مرحلة هي الأخطر في تاريخ الثورة وربما في تاريخ سوريا الحديث.

 

لقد أحدثت الثورة السورية تحولا عميقا في وجدان الشعب السوري، ودفعت بشرائح كثيرة من المجتمع السوري عامة والثوري خاصة للقيام بمراجعات فكرية وسياسية عميقة ساهمت في تطوير الرؤية العامة للثورة وساعدت على مواكبة الأحداث والتغيرات، إلا أن مجريات العام الأخير تشير بشكل  مقلق إلى تأخر الفصائل عن هذه المراجعات ووقوعها أسيرة لفقه واقع ضيق الأفق وقاصر ومنته الصلاحية، حرمها من القدرة على التخطيط الاستراتيجي وعلى القيام بواجب الساعة الحقيقي.

 

استنكر البعض ما قلناه في مقالة نشرتها جريدة الواشنطن بوست الأمريكية بتاريخ  10 تموز 2015 حول أهمية الانطلاق بمشروع وطني جامع لا يمكن أن تتحكم أو تقوم به جماعة بمفردها، و”لا يجب أن يرتبط بأيديولوجية واحدة”. حيث فهم البعض أن المقصود هو إقصاء الإسلام (ومن الظلم والخطأ الكبير بمكان اعتبار الإسلام مجرد أيدولوجية)، بينما اعتبره الآخرون دعوة لمشروع وطني يجمع بين الثورة والنظام.

 

بعد حوالي عامين من تلك المقالة ما زلنا نعتقد أن الثورة وسوريا تحتاجان لهذا المشروع الوطني والخطاب المواكب له، بل أنه طريق النجاة الوحيد، إلا أن الفصائل تبدو عاجزة عن فهم هذه الحقيقة أو تقبلها على الرغم من شعاراتها وخطابها المعلن، وأول خطوة للوصول إلى هذا المشروع الوطني وبناء التصور الصحيح والواقعي له هو إيجاد قيادة سياسية موحدة بشرعية ثورية وقبول إقليمي ودولي، وبخطاب وطني جامع يعكس تطلعات الشعب السوري بأكلمه.

إن توحيد قيادة الثورة سياسيا وعسكريا يتطلب تنحية المشاريع “الأيديولوجية” من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار جانبا، والعودة إلى روح وجوهر الثورة وأهدافها الجامعة

آن الأوان لجميع الفصائل لا سيما الكبرى منها، أن تدرك أن استمرارها بوضعها الفصائلي المتناحر سينتهي بها إلى الفناء أو التحول -بعلم أو دون علم- إلى أدوات وظيفية بأيادٍ مختلفة، حليفة وعدوة. آن لهم أن يدركوا ألا وجود لفصيل واحد يحمل منظومة فكرية حقيقية أو رؤية متكاملة لمستقبل سوريا، وأن مشاريع “الإمارة” والكيانات المناطقية محتوم فشلها، وكلما أسرعت الفصائل بتقبل هذه الحقيقة والعمل وفقها كلما زادت فرص نجاح الثورة وإنقاذها من تحديات صعبة قادمة.

 

إن توحيد قيادة الثورة سياسيا وحتى عسكريا يتطلب تنحية المشاريع “الأيديولوجية” من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار جانبا، والعودة إلى روح وجوهر الثورة وأهدافها الجامعة، والأهم من ذلك؛ العودة إلى قيم الثورة الأولى: الحرية، الكرامة، والعدالة.

 

يجب أن يكون هناك سعيٌ حقيقي لدعم حكومة داخلية مؤهلة لتلقي الدعم دوليا وإقليميا، وقادرة على تقديم الخدمات التي تليق بشعبنا، ولا سيما مع تدهور الوضع الإنساني والخدمي في المناطق المحررة وتزايد الضغط مع استمرار التهجير الطائفي القسري، وعلى الفصائل  أن تعي -رغم الجهود الجبارة التي قدمتها في مجال الإدارة المدنية- أن هذه المهمة أكبر من حجمها وطاقتها، وأنه يتوجب عليها أن تلعب دورا تشاركيا إيجابيا وواقعيا في هذا الخصوص، يخدم مصلحة البلد والمدنيين قبل أي شيء أخر.

على قيادات الثورة أن تدرك أنه لم يعد بالإمكان الاستمرار .... دون تحالفات استراتيجية حقيقية تنعكس على الأرض وأروقة السياسية .... نتكلم عن أي طرف دولي تتقاطع مصالحه ولو جزئيا أو مرحليا مع مصالح الشعب السوري، وإلا سيصبح السوريون خارج معادلة مستقبل بلدهم، وسيكون الخاسر الأكبر هم العرب السنة في سوريا.

وكما أنه لا مستقبل للفصائل دون تمثيل جامع لها مع بقية مكونات الثورة، فلا مستقبل للثورة ـ أيضا ـ إذا ما عجزت عن إنتاج البديل الوطني القادر على تمثيل آمال وطموحات السوريين، كل السوريين، في المناطق المحررة والمحتلة، وفي الداخل والخارج، لأن الثورة بأهدافها الأصيلة وخطابها الجامع الذي يُنتظر منها هي الممثل الوحيد والأخير لإرادة الشعب السوري بعد أن تحول النظام إلى واجهة احتلال بعد إجرامه لسنوات بحق الشعب، فعلى قادة الثورة أن يعوا أنهم اليوم يتحملون مسؤولية تمثيل آمال الشعب السوري بأكمله، لأنه في خضم حرب مناطق النفوذ وتقاسم سوريا لم يعد للسوريين صوت إلا صوت الثورة إن حققت ولادة جديدة وتم إعادة توجيهها في الطريق الصحيح.

 

مرحلة الفصائلية يجب أن تنتهي، إلا أنه يجب إيجاد طريقة للانتقال إلى مرحلة ما بعد الفصائلية دون خسارة القوة القتالية للفصائل، فلا تزال تنتظرنا سنوات طويلة من حرب الاستقلال، ولن تنفعنا أي مناورات سياسية أو علاقات دولية مالم تمتلك الثورة الشوكة الكافية لحماية مكتسباتها والتحرك ميدانيا وفق خطة استراتيجية مدروسة.

"سايكس-بيكو" انتهت، وعملية إعادة رسم خارطة المنطقة وفق مناطق النفوذ والتأثير بدلاً من الحدود السياسية ماضٍ على قدم وساق، ومعظم الأمر يتم في سوريا.

 في نفس الوقت، على قيادات الثورة أن تدرك أنه لم يعد بالإمكان الاستمرار وتحقيق أكبر نسبة من الأهداف المرجوة دون تحالفات استراتيجية حقيقية تنعكس على الأرض وأروقة السياسية، ولا نعني هنا التحالف مع حلفائنا التقليديين الذين لم نتمكن في واقع الأمر من بناء علاقة استراتيجية حقيقة معهم، بل نتكلم عن أي طرف دولي تتقاطع مصالحه ولو جزئيا أو مرحليا مع مصالح الشعب السوري، وإلا سيصبح السوريون خارج معادلة مستقبل بلدهم، وسيكون الخاسر الأكبر هم العرب السنة في سوريا. الثورات وحروب الاستقلال من فيتنام إلى أفعانستان إلى كوبا وجدت دائما الحاضن الخارجي، بل إنها لعبت بذكاء على تضارب المصالح الدولية وتقاطعها بعيدا عن أي ثوابت أيديولوجية، ويكاد يكون وجود الحليف الإقليمي أو الدولي شرطا أساسيا لنجاح أي ثورة.

 

لقد فشلنا في الماضي في بناء تحالفات استراتيجية حقيقية لأننا افتقرنا للجسد الثوري الوطني الذي يحمل الرؤية والخطاب الصحيحين ليُؤخذ على محمل الجد من قبل الدول، وتبقى الفرصة قائمة في حال تداركنا هذه النقطة الحيوية والمفصلية، فعلى الفصائل والثورة بشكل عام أن تتحرر من النظرة العَقَدية الصرفة للصراع الدائر في سوريا والمنطقة، وإدراك أننا ما زلنا نعيش في عالم يحكمه معسكران وتحكمه مصالح ثابتة لا حلفاء ثابتين، وأن الأولوية الآن تنحصر في إنقاذ الشعب السوري، وامتلاك أكبر قدر من الأوراق اللازمة للعب دور حقيقي في مستقبل سوريا. "سايكس-بيكو" انتهت، وعملية إعادة رسم خارطة المنطقة وفق مناطق النفوذ والتأثير بدلاً من الحدود السياسية ماضٍ على قدم وساق، ومعظم الأمر يتم في سوريا.

معركة “المنطقة الشرقية” هي المعركة الاستراتيجية الفاصلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للثورة ولكسب الشرعية الدولية اللازمة للمشاركة في تقرير مصير سوريا

إن إيجاد القيادة الموحدة صاحبة الشرعية الوطنية الثورية والقبول الدولي والتي تجمع بين مختلف مكونات الثورة هو الطريق الوحيد لإكساب الثورة القوة الذاتية الكافية للدفاع عن مواقفها ومصالحها وعدم تحول فصائلها إلى أدوات وظيفية، وعلى الجميع أن يدرك أن معركة “المنطقة الشرقية” هي المعركة الاستراتيجية الفاصلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للثورة ولكسب الشرعية الدولية اللازمة للمشاركة في تقرير مصير سوريا،ولا سبيل لمواجهة هذا التحدي دون قيادة لائقة. الفصائل ووفود التفاوض بدأت تضعف أمام الضغوط الهائلة التي تتعرض لها في ظل غياب المرجعية المشتركة والقرار الموحد، وهذا أمر يجب تداركه بقوة لأن الساحة مقبلة على استحقاقات مصيرية.

 

سيتهمنا البعض بالانهزامية والتثبيط، ولكنها الواقعية وفقه الواقع السليم مهما كان مؤلما ومحبطا أحيانا، لنتمكن من التخطيط السليم وتصحيح البوصلة، فمن الخطأ النظر إلى الصراع في سوريا على أنه صراع لسنوات قليلة قادمة، بل هو صراع أجيال وعلينا أن نعد العدة لذلك إذا كنا فعلا صادقين في استرجاع بلدنا سوريا والحفاظ على هويتنا ووجودنا، أما المشاريع الطوباوية والأمجاد الشخصية فهذه مكانها في أدراج التاريخ وطي النسيان

 

وللحديث تتمة.

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Please reload

Related Articles / مقالات ذات صلة
Please reload

  • telegram-icon
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • email-square