• telegram-icon
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • email-square

Copyright © 2018  Labib Al-Nahhas

Tag Cloud / سحابة الوسوم
/ مقالات وتدوينات مختارة
Featured Posts & Articles

أوراق ثورية 2: الثقافة البعثية في ثورة الياسمين

 

 

02 حزيران 2016

 

عند تحليل أهم الأسباب الداخية والذاتية للتراجع في أداء الثورة أو عجزها عن تحقيق قفزة نوعية تواكب التطورات الداخلية والدولية يتم التركيز على الفصائلية والنزاعات الداخلية، وأزمة القيادة وتبعاتها، وعن صعود الخطاب الأيديولوجي والاستقطاب الفكري، وعن انفصام العمل العسكري عن السياسي، وعن أمور كثيرة ربما معظمها إن لم يكن كلها محق، إلا أن السبب الحقيقي للعجز الذاتي الحالي للثورة هو اجتماعي وثقافي بامتياز، وتكاد تكون الأسباب الأخرى نتيجة مباشرة أو غير مباشرة للثقافة التي كانت سائدة في المجتمع السوري قبل قيام الثورة.

 

لا نتكلم هنا عن التركيبة الاقتصادية-الاجتماعية لسوريا ما قبل الثورة رغم أنها عنصر هام جدا وغالبا مُهمل في فهم الثورة السورية وتحدياتها، ولا نتكلم عن الطبقية الاجتماعية وجذورها في المجتمع السوري وكيف انعكست على الصراع الحالي، ولا نعني البعد الطائفي لما يجري في سوريا وهذا يحتاج بحثا منفردا؛ بل نتكلم عن ثقافة دخيلة على المتجمع السوري، بدأت بالظهور في منتصف خمسينيات القرن الماضي لتطغى لاحقا على السلوك المجتمعي والفردي في سوريا، نتكلم عن “الثقافة البعثية” في بعدها السلوكي لا الفكري.

النظام السوري متبنيا قيم وثقافة حزب البعث لا يختلف عن النازية أو الثورة الروسية وحركات "اجتماعية-سياسية" سبقته في أسلوب تغيير المجتمع

تلعب الحكومات والأنظمة المهيمنة دورا كبيرا وأحيانا محوريا في التأثير على ثقافة المجتمع أو إعادة صياغتها، وهذه الحقيقة تنظبق بشكل كلي على حزب البعث والنظام السوري، فلم يكن عبثيا تعريف حزب البعث لنفسه على أنه “الحزب القائد في الدولة والمجتمع”، ومعروف لكل متابع لسياسة النظام “البعثية” في سوريا محاربته لقيم المجتمع الإسلامية الموروثة، حتى العربية منها، وزرعه لمفاهيم جديدة دخيلة على مجتمعنا وعلى تراثنا.

 

النظام السوري متبنيا قيم وثقافة حزب البعث لا يختلف عن النازية أو الثورة الروسية وحركات "اجتماعية-سياسية" سبقته في أسلوب تغيير المجتمع: فقام بطرح منظومة قيم جديدة تضمن ولاء وطاعة الشعب، إلا أنه أعطى لنفسه حق كسرها وفق مصالحه، وحطم رموزا قديمة في وجدان المجتمع السوري وخلق رموزا جديدة على رأسها “حافظ”، وصنع عدوا جديدا للشعب السوري متمثلا “بعصابة” الإخوان المسلمين “العميلة”، و ”زاود” على الشعب السوري وباقي الدول العربية في العداء للإمبريالية والصهونية رغم أن الأحداث أكدت أنه كان عميلا لهم.

تمكن النظام السوري إلى درجة كبيرة من تفكيك البنية الاجتماعية السورية وإعادة صياغتها بطريقة تضمن حكمه وهيمنته لعقود وربما لقرون وفق تقديره، وأخضع المجتمع السوري إلى “حيونة” ممنهجة هدفها تجريد المجتمع من قيمه الأصلية وتبنيه لقيم دخيلة

لقد تمكن النظام السوري إلى درجة كبيرة من تفكيك البنية الاجتماعية السورية وإعادة صياغتها بطريقة تضمن حكمه وهيمنته لعقود وربما لقرون وفق تقديره، وأخضع المجتمع السوري إلى “حيونة” ممنهجة هدفها تجريد المجتمع من قيمه الأصلية وتبنيه لقيم دخيلة تساعد على ترسيخ حكم البعث ونظامه وتجرد المجتمع السوري من أي إمكانية للتطور والنهوض والعودة إلى تراثه ومنظومة قيمه العريقة.

 

ورغم أن الثورة السورية جاءت لتكون نقطة التحرر من البعث ونظامه وتحقق مطالب الشعب في الحرية والكرامة والهوية، ورغم نجاح الثورة في تدمير النظام وإنهائه فعليا (لولا حلفائه)؛ إلا أنها فشلت -حتى الآن- في تحقيق التغيير الثقافي الذي هو الأساس في أي تحول حقيقي في تاريخ الأمم.

 

معالم هذه “الثقافة البعثية” نجدها بوضوح في السلوك النمطي لجزء كبير من القيادات العسكرية والسياسية وحتى الفعاليات المدنية في الثورة، وعلى رأس هذه المعالم مفهوم “القائد الأوحد” وما ينتج عنها من ثقافة قيادية فاسدة وتدمير للكوادر والعناصر القيادية التي تمتلك إمكانية تقديم الكثير للثورة والبلد، لأن هذه الكوادر تهدد استمرارية “القائد الأوحد” في حكمه “إلى الأبد” للفصيل أو التنظيم أو الهيئة، فنرى هذه الثقافة تتجلّى بوضوح في تمسك قادة الفصائل بمناصبهم أو صلاحياتهم شبه المطلقة وإن ادعوا الزهد فيها، وفي التنافس المحموم بين الائتلاف وهيئة التفاوض التي يفترض أن تكون جسدا مفاوضا لا كيانا سياسيا جديدا، وفي تنافس مؤسسات المجتمع المدني والإغاثة على التصدر لدرجة تصل إلى تعطيل المصلحة العامة أحيانا.

”القائد الأوحد” عادة لا يصل الى الحكم والقيادة بالطرق الشرعية أو الطبيعية أو حتى المنطقية، فلا بد أن يأتيَ عن طريق “الانقلاب”، وهنا يكمن عمود آخر من أعمدة “الثقافة البعثية”

مفهوم “القائد الأوحد” لا يقتصر على رأس الهرم، بل ينتشر على جميع المستويات، لذلك كان لا بد من مكون آخر لهذه الثقافة المريضة، وهو بناء الأمجاد على حساب تدمير الآخرين دون الحاجة لتقديم أي جديد أو تحقيق أي تقدم نوعي، فدمار الغير كاف لأن يجعل "البعثي" هو الخيار الوحيد في الساحة: فأصبح أسرع طريق إلى النجاح هو إسقاط الأخرين بأي ثمن. ومن هنا انطلقت ثقافة التقارير واغتيال الشخص أو الشخصية وما رافقها من ممارسات لا أخلاقية وأحيانا إجرامية رأيناها منذ قيام حزب البعث في سوريا ولكن للاسف تبين أنها ثقافة تسرّب الكثير منها إلى سولكيات بعض مكونات الثورة.

 

هذا ”القائد الأوحد” عادة لا يصل الى الحكم والقيادة بالطرق الشرعية أو الطبيعية أو حتى المنطقية، فلا بد أن يأتيَ عن طريق “الانقلاب”، وهنا يكمن عمود آخر من أعمدة “الثقافة البعثية” المتمثل بالعقلية الانقلابية. سيقول البعض أن الانقلابية ظهرت في تاريخ سوريا المعاصر قبل وصول حزب البعث إلى الحكم، وهذا صحيح، ولكن الثقافة البعثية عملت على شرعنتها وجعلها واقعا عمليا كطريقة ناجعة وربما مفضلة للوصول إلى السلطة أو "القيادة”.

 

وربما من أهم معالم هذه الثقافة المريضة هو ازدواجية الخطاب وعدم الثبات على موقف أو قضية مبدئية، واستعمال أسلوب “المزاودات” بطريقة فعالة وناجحة للهيمنة على الخصوم وإسقاطهم، ولتثبيت الشرعية اللازمة لتبرير كل الممارسات الإجرامية لتثبيت أركان الحكم والنفوذ، وهذه أيضا تجسدت في سلوك الكثير ممن تصدروا أمر الثورة.

 

هذه “الثقافة البعثية” تم فرضها بالقهر والقمع  وسلب الحريات، فعززت في المجتمع السوري الفساد وانحلال القيم الأصيلة، وأدت لصعود الفردية على حساب المصلحة العامة، وتغييب أي تفكير في العمل السياسي لصالح البلد

ورغم أن مخزون “الثقافة البعثية” الكارثي والإجرامي أكبر من أن يُختزل في مقالة، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى مكون هام جدا فيها وهو: “استعمال الأقلية ضد الأكثرية”، والانفصال عن المجتمع بدلا من الانصهار فيه، فتكون القيادة عن طريق القمع والتحريض بدلا من الإلهام والتغيير، واستعمال التفرقة وإثارة الخصومات لضمان الاستمرار، بدلا من طرح الرؤية الجامعة والمشروع الوطني الذي يشارك في بنائه وصياغته الجميع، فنرى الطائفة ضد المجتمع، وأجهزة الأمن ضد المدنيين، والدولة ضد البلد.

 

هذه “الثقافة البعثية” تم فرضها بالقهر والقمع  وسلب الحريات، فعززت في المجتمع السوري الفساد وانحلال القيم الأصيلة، وأدت لصعود الفردية على حساب المصلحة العامة، وتغييب أي تفكير في العمل السياسي لصالح البلد، وسط خوف من مستقبل غير واضح المعالم وتهديد مستمر بالفقر والجهل والحرمان من أدنى مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.

أفتك سلاح يواجه النظامُ به الثورةَ اليوم هو استمرار “الثقافة البعثية” في سلوكيات أبناء الثورة وقياداتها.

لقد حُرم السوري على مدى عقود طويلة من الشعور بالانتماء لبلده ومن الإحساس بالقوة والثقة التي تتولد من إحساس الفرد بأنه جزء من مجتمع قوي متماسك يحمل القيم الأخلاقية والسلوكية التي تمثله، وهذا ما حققته الثورة في سنواتها الأولى لغالبية السوريين، لأنها طرحت منظومة قيم أخلاقية مضادة للثقافة البعثية جسدت طموحات السوريين وشعورهم الحقيقي وانتماءهم.

 

يتناسى الكثير عند تحليل واقع الثورة المجتمع الذي خرجت منه الثورة، وأن أكبر وأهم أمراض الثورة هي نفسها أمراض المجتمع والنظام التي ثارت عليها، وهو أمر طبيعي في السياق التاريخي لأي تغير اجتماعي حاد كالذي تعرض له المجتمع السوري، ولكن من غير المقبول أن يستمر الوضع على حاله في العام السابع للثورة. إن أفتك سلاح يواجه النظامُ به الثورةَ اليوم هو استمرار “الثقافة البعثية” في سلوكيات أبناء الثورة وقياداتها.

إن الثورة السورية لم تكن يوما ثورة ضد نظام سياسي حاكم أو طبقة اجتماعية مهيمنة، بل كانت بالدرجة الأولى ثورة لتغيير ثقافة المجتمع بأسره وإن تطلب ذلك إسقاط النظام الحامل للثقافة البعثية.

ليس كل من تصدر أمر الثورة هو بالضرورة ممثلا لها أو حاملا لقيمها، بل ليس بالضرورة اعتبار كل من عمل في الثورة "ثوريا" حقيقيا حتى لو كان مخلصا للثورة، الروح الثورية الحقيقية هي التي تدفع بالإنسان لتحطيم كل القوالب الفاسدة التي فُرضت عليه وتدفعه للتحرر من كل القيود التي تحد من حريته الجسدية والفكرية، الروح الثورية الحقيقية لا تعرف المستحيل ولا تعترف بواقع فاسد ولا ترسخ لوضع مهترئ تعيس كالذي نعيشه بدعوى “ليس بالإمكان أفضل مما كان”، هي الروح الثورية التي جعلت شعبا مقهورا كشعبنا يؤمن بأنه قادر على تحطيم أعتى نظام ديكتاتوري في العالم، وهي نفسها الروح الثورية التي يجب ان نبثها من جديد بين الناس، ومن هذا المنطلق فإن عمل قيادات بعض الفصائل والهيئات على “ترسيخ أركان حكمهم”  على حساب المصلحة العامة بحجة الاستقرار والتمكين والإصلاح وحتى توحيد الصف هي حجج وضيعة غير ثورية وغير مقبولة، فنحن لم نبلغ بعدُ نهاية الطريق، ولم نخرج من أجل هذه المشاريع الوضيعة.

 

 

إن الثورة السورية لم تكن يوما ثورة ضد نظام سياسي حاكم أو طبقة اجتماعية مهيمنة، بل كانت بالدرجة الأولى ثورة لتغيير ثقافة المجتمع بأسره وإن تطلب ذلك إسقاط النظام الحامل للثقافة البعثية.  التغيير الثقافي في الجماعات والمجتمع هو من أصعب المهام التي ممكن أن تقوم بها أي قيادة، ولكنه مستحيل إذا لم تمتلك القيادة القناعة بضرورته ومن ثم الشجاعة والقدرة على تحقيقه، وهو واقع الثورة السورية حاليا.

 

 

يبدأ التغيير الثقافي  للجماعة (Ogranisatoinal Culture Change) أو للمجتمع (Society Culture) من القمة، وتقوده النخبة، وهنا يكمن التحدي الأكبر لمجتمع تم تجفيفه من نخبه وأصحاب الكفاءات العالمية فيه، ولثورة فشلت في استقطاب النخب وبناء كوادر جديدة بعد مرور ست سنوات، وتصدر شخصيات تحمل “الثقافة البعثية” بل وتجسدها أحيانا. تغيير الثقافة يحتاج “أبطال التغيير” (Change Champions) و “عملاء التغيير” (Change Agents)، كل ذلك وفق خطة متكاملة ومدروسة تستند إلى نظريات علم الاجتماع والنفس وسلوك الجماعات، لذلك من الوهم بمكان أن نعول على شخصيات تحمل “الثقافة البعثية” بأن تقوم بالتغيير، هؤلاء يجب أن يُستثمروا في خدمة الثورة التي هم جزء منها بلا شك، ولكن التغيير أمر آخر.

ولكن في نفس الوقت فقد أنتجت الثورة نماذج كثيرة مشرقة لتغيير ثقافي إيجابي يجب أن يتم العمل على إعادة إنتاجها ودعمها.

إن جُل من قام بالثورة لم ير نموذجا في إدارة الدولة والمجتمع غير نموذج النظام البعثي، وهذا كان له أثر سلبي كبير عندما وجدت الثورة نفسها في موقع “السلطة” بشكل مفاجئ، ولكن للإنصاف؛ فإن معظم من اتبع وطبق سلوك وقيم “الثقافة البعثية” من أبناء الثورة؛ إنما حصل بطريقة لاواعية وغير متعمدة، ولكنها العادة وما ألفَوا عليه مجتمعهم لعقود طويلة.

لقد خسرت الثورة جزءا كبيرا من هذه الكوادر الثورية الحقيقية صاحبة الفكر الوسطي الثوري، وربما كانت الكارثة الأكبر في فشل أصحاب الثقافة الثورية الصحيحة في الوصول إلى المناصب القيادية الهامة بالعدد الكافي حتى تكوّن تيارا مؤثرا، نظرا لافتقارها الخبرة الحركية اللازمة لمثل هذا الأمر

ولكن في نفس الوقت فقد أنتجت الثورة نماذج كثيرة مشرقة لتغيير ثقافي إيجابي يجب أن يتم العمل على إعادة إنتاجها ودعمها. لعل أهم قيمة أيقظتها الثورة في نفوس الناس هي الاستعداد للتضحية الشخصية إلى أبعد مدى في سبيل قضية عادلة تخدم المجتمع بأسره، والتفكير بالبلد ومستقبله قبل التفكير بالمصلحة الذاتية، وهذا أمر كان النظام قد نجح في سحقه بشكل شبه كامل. ومع تحرر السوريين من قيود كثيرة نفسية وفكرية فُرضت عليهم، تحرك آلاف من الشباب السوري الطموح لتطوير أنفسهم واكتساب الخبرات اللازمة لدعم هذا القضية المشتركة، فانتهت المحسوبية ولو لفترة قصيرة وبرز دور الكفاءة، وأصبح الناس يبحثون عن صاحب الخبرات بينهم ليقود الركب في مجاله، وتفاجأ العالم بأسره بقدرات الشباب السوري غير المحدودة على الإبداع والعمل في ظروف قاهرة. لفترة وجيزة أيضا تحطمت القيود الاجتماعية التي كبل بها النظام المجتمع لفرض هيمنته عليه، وذابت المناطقية والطبقية، بل حتى ذابت التيارات الفكرية مؤقتا تحت مظلة الهوية الثورية التي عبرت عن بعدها الإسلامي والعربي، وعن أهم قيمها: الحرية والكرامة.

الثقافة البعثية معادية لقيم الإسلام والثورة، وجُل الممارسات الرجعية وغير الشرعية التي تقوم بها فصائل باسم الإسلام هي اقرب ما تكون للثقافة “البعثية المتأسلمة” التي تستقي روحها من ثقافة البعث وتحاول أن تغطي قبحها بمظاهر إسلامية، ولكن الثورة منها براء ودين الله منها براء.

لقد خسرت الثورة جزءا كبيرا من هذه الكوادر الثورية الحقيقية صاحبة الفكر الوسطي الثوري، وربما كانت الكارثة الأكبر في فشل أصحاب الثقافة الثورية الصحيحة في الوصول إلى المناصب القيادية الهامة بالعدد الكافي حتى تكوّن تيارا مؤثرا، نظرا لافتقارها الخبرة الحركية اللازمة لمثل هذا الأمر، ولزهدها أحيانا، وورعها البارد في تقلد المناصب ومنافسة عديمي الكفاءة والفكر عليها.

 

الثقافة البعثية معادية لقيم الإسلام والثورة، وجُل الممارسات الرجعية وغير الشرعية التي تقوم بها فصائل باسم الإسلام هي اقرب ما تكون للثقافة “البعثية المتأسلمة” التي تستقي روحها من ثقافة البعث وتحاول أن تغطي قبحها بمظاهر إسلامية، ولكن الثورة منها براء ودين الله منها براء.

التغيير الثقافي في مجتمع مهمة طويلة الأمد، وأحيانا تحتاج أكثر من جيل، وعلى الثورة أن تبدأ بالتوازي مع صراعها العسكري والسياسي من أجل الحرية والاستقلال، العملَ على بناء جيل التغيير

التغيير الثقافي في مجتمع مهمة طويلة الأمد، وأحيانا تحتاج أكثر من جيل، وعلى الثورة أن تبدأ بالتوازي مع صراعها العسكري والسياسي من أجل الحرية والاستقلال، العملَ على بناء جيل التغيير. بوادر هذا الجيل نراها حاليا في الصف الثاني وما بعده من الثورة، نراها في طبقة شابة من المفكرين وطلاب العلم الذين لم يُعطَوا الدور اللائق والمؤثر في الثورة، نراها في جزء يسير من قادة الصف الأول (سواء العسكريين أو السياسيين) ولكن لا يزالون أقلية، هؤلاء يجب أن يتم العمل عليهم ومعهم، وتوفير الخبرات السورية وغير السورية اللازمة لتحويلهم إلى تيار ثوري عارم، وتزويدهم بأدوات التغيير اللازمة الفكرية والنفسية والاجتماعية ضمن مشروع متكامل، وإلا فإن الفراغ الذي سينجم عن اختفاء النظام يوما سيتم إعادة ملئه بأشخاص تحمل نفس الثقافة وبعقلية هي ذاتها التي دمرت سوريا وأوصلتنا إلى وضعنا الحالي.

يجب البدء ببناء رأسمال ثقافي حضاري يقوم على منظومة قيم ثورية وكوادر وقيادات حاملة لهذه القيم. فآفاقُ الثورة يجب أن تكون أبعد من أي صراع عسكري أو سياسي، الثورة يجب أن تتحول إلى ثقافة مجتمعية جديدة، تقضي على ثقافة البعث وتحيي منظومة القيم الأصيلة في مجتمعنا وتحافظ على هويته.

هذا لا يعني أبدا التسليم بالواقع الذي نعيشه حاليا في الثورة، بل العكس، يجب أن نندفع بقوة أكبر لإصلاح الموجود وأن ندعم الصف الثانيَ أن يتقدموا خطوة إلى الأمام ليأخذوا دورهم الحقيقي، ولكن ضمن رؤية مستقبلية واضحة، فنلجأ لحلول إسعافية في المواطن التي لا تحتمل التأخير كالعسكرة والسياسة، ولكن في نفس الوقت يجب البدء ببناء رأسمال ثقافي حضاري يقوم على منظومة قيم ثورية وكوادر وقيادات حاملة لهذه القيم. فآفاقُ الثورة يجب أن تكون أبعد من أي صراع عسكري أو سياسي، الثورة يجب أن تتحول إلى ثقافة مجتمعية جديدة، تقضي على ثقافة البعث وتحيي منظومة القيم الأصيلة في مجتمعنا وتحافظ على هويته.

 

“الثقافة البعثية” لا تُلغي وجود التغلب والتطرف والغلو والفساد وما إلى هنالك من أمراض في ثورتنا، ولكن يتراءى لي أحيانا أن “الثقافة البعثية” تتلون وتتماهى وفق ميول وخلفيات وفكر كل من يتبناها، سواء كان إسلاميا أو علمانيا أو حتى ثوريا.

الحقيقة هي أن الشعب السوري شعب عبقري مبدع، متفائل،  صعب المراس والانقياد، حاول نظام البعث والأسد تشويه تركيبته الجينية بتغيير ثقافته وتركيبته المجتمعية ولكنه فشل، ولولا هذه الخصائص الفريدة لما صبر هذا الشعب على المحن والمصائب التي واجهها في السنوات الأخيرة

الشعب السوري الذي قام بأعظم ثورة في التاريخ الحديث شعب بريء من “الثقافة البعثية” التي فُرضت عليه فأصيب بها كمرض عارض، ولكنها لا تغير من أصالته وقيمه الحقيقية. لقد كثُر مؤخرا تعميم التهم على الشعب السوري بأسره بناء على سلوك بعض أفراد المعارضة الذين تشربوا “الثقافة البعثية" إلى النخاع ولم يرتقوا يوما لتمثيل الثورة، ولكن الحقيقة هي أن الشعب السوري شعب عبقري مبدع، متفائل،  صعب المراس والانقياد، حاول نظام البعث والأسد تشويه تركيبته الجينية بتغيير ثقافته وتركيبته المجتمعية ولكنه فشل، ولولا هذه الخصائص الفريدة لما صبر هذا الشعب على المحن والمصائب التي واجهها في السنوات الأخيرة، ويتمكن من تجاوزها والتطلع إلى غد أفضل. الشعب السوري اليوم أمام تحدّي إعادةِ بناء ثقافته وفق هويّته، وعلى الثورة بمنظومة قيمها وتجربتها الغنية أن تلعب دورا محوريا في ذلك.

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

Please reload

Related Articles / مقالات ذات صلة
Please reload

  • telegram-icon
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • email-square